محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بمعزل = وأن معنى ذلك : لا تحيط به الأبصار ، لأن الإحاطة به غير جائزة . قالوا : فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم ، ولا تدركه أبصارهم ، بمعنى : أنها لا تحيط به ، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به . قالوا : ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك ، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط بعلمه ، ( 1 ) وكما قال جل ثناؤه : ( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ) [ سورة البقرة : 255 ] . قالوا : فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . قالوا : ومعنى " العلم " في هذا الموضع ، المعلوم . قالوا : فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء ، نَفْيٌ عن أن يعلموه . قالوا : فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به ، كان كذلك ، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر ، نفيُ رؤيته له . قالوا : وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا ، كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم ، إذ كان معنى " الرؤية " غير معنى " الإدراك " ، ومعنى " الإدراك " غير معنى " الرؤية " ، وأن معنى " الإدراك " ، إنما هو الإحاطة ، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل . قالوا : فإن قال لنا قائل : وما أنكرتم أن يكون معنى قوله : " لا تدركه الأبصار " ، لا تراه الأبصار ؟ قلنا له : أنكرنا ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة ، ( 2 ) وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة ، كما يُرَى القمر ليلة البدر ، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب . ( 3 ) قالوا : فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر ، وحققتْ أخبارُ رسول الله صلى الله عليه
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( ولا يحاط به ) ) ، وصواب السياق ما أثبت . ( 2 ) يعني آيتي سورة القيامة : 22 ، 23 . ( 3 ) في المخطوطة ، أسقط ( ( البدر ) ) ، والصواب إثباتها .